أحمد بن محمد ابن عربشاه
406
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وهذا الأوان قد انصلح الزمان ، واستقام الطالع وزال الحسد والتقاطع ، واقتضى الزمان الصلح والصلاح والموافقة والفلاح ، فمشيت على موجبه ، وتشبثت بذيل مذهبه ، فخذ مالك وانصرف بارك الله لك فيه ، فلا حاجة لي به ولا بدّ لي لتقليبه . وإنما أوردت هذا المثل أيها الجمل ؛ لتعلم أن الزمان لتقلبه في الدوران ، يوقع بين الأصحاب والإخوان ، ويباين بين الأصدقاء والخلان ، والأسد المجتهد وإن كان قد زهد وترك من أخلاقه ما عهد ، فيمكن عوده إلى حاله الأولى ؛ فالاحتراز منه في كل حال أولى ، وها أنا قد أخبرتك ، ومن سوء العاقبة حذرتك ، وعلى ما وصل إليه فكرى أطلعتك ، وفرط محبتي وشفقتى عليك ؛ اقتضى إفشاء هذا السر إليك ، ومن أنذر فقد أعذر ، ومن بصر فما قصر . قال الجمل : يا أخي فنترك هذا المقام ونروح ونخدم من في خدمته نستريح ، قال الدب الجاحد : إذا كان هذا العابد الزاهد الراكع الساجد ، الذي قد تعفف عن أكل اللحوم ، وليس له دأب إلا إغاثة المظلوم ، قد عف عن الدماء وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن غائلته ، ولا تعتمد خائلته « 1 » فإلى أين نتحول وعلى من يكون المعول ، وأنّى نذهب وفيمن نرغب ، قال الجمل : فكيف يكون العمل فلقد ضاقت بنا الحيل وتقطعت بنا السبل ، لا طريق للمفر ولا قرار للمستقر . فأفكر الدب طويلا ، ثم رأى رأيا وبيلا ، وقال : أرى الرأي السديد ، والفكر المفيد ، أن نبادر الأسد قبل وقوع النكد ، فنقصده بما يقصده ، ولا نوصله إلى ما يعتمده ، فالعاقل يفتكر في عواقب الأمور ، ويقيس بفكره
--> ( 1 ) رعايته .